البكري الدمياطي
267
إعانة الطالبين
تعالى : * ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) * أي فأفطر فعدة . ثم إن التعبير بالإباحة يفيد أن الفطر للمرض ولخوف الهلاك جائز ، لا واجب . وفي الكردي : الذي اعتمده الشارح - أي ابن حجر في كتبه - أنه متى خاف مبيح تيمم لزمه الفطر . وظاهر كلام شيخ الاسلام والخطيب الشربيني والجمال الرملي : أن مبيح التيمم مبيح للفطر ، وأن أخوف الهلاك موجب له . وإذا صام من يخشى منه مبيح تيمم ، صح صومه - على الراجح . اه . ويمكن حمل الإباحة في كلامه على ما يصدق بالوجوب ، لأنه جواز بعد امتناع ، فيصدق بالوجوب ، ثم إن المرض مبيح للفطر ، وإن تعدى بسببه ، لأنه لا ينسب إليه ، ثم إن أطبق مرضه فواضح ، وإلا فإن وجد المرض المعتبر قبيل الفجر لم تلزمه النية ، وإلا لزمته . وإذا نوى وعاد - أي المرض - أفطر . ( قوله : ضررا ) مفعول مطلق لمضر . ( وقوله : يبيح التيمم ) خرج ما لا يبيحه - كالمرض اليسير ، كصداع ، ووجع الاذن ، والسن - إلا أن يخاف الزيادة بالصوم فيباح له الفطر - كما في النهاية ، نقلا عن الأنوار . ( قوله : كأن خشي إلخ ) تمثيل للمرض المضر المبيح للتيمم : ( وقوله : بطء برء ) أي تأخير شفاء . ( قوله : وفي سفر قصر ) معطوف على بمرض : أي ويباح فطر في سفر قصر : أي سفر يباح فيه القصر ، وهو ما كان طويلا مباحا . وشرط الفطر في أول أيام سفره أن يفارق ما يشترط مجاوزته للقصر قبل طلوع الفجر ، فإن فارقه بعد طلوع الفجر فلا يفطر - تغليبا للحضر - وإذا كان سفره قبل الفجر فله الفطر وإن نوى ليلا فقد صح أنه ( ص ) أفطر بعد العصر في سفره بقدح ماء ، لما قيل له إن الناس يشق عليهم الصيام . ويستثنى من جواز الفطر بالسفر : مديم السفر ، فلا يباح له الفطر ، لأنه يؤدي إلى إسقاط الوجوب بالكلية ، إلا أن يقصد قضاء في أيام أخر في سفره ، ومثله من علم موته عقب العيد ، فيجب عليه الصوم إن كان قادرا ، فجواز الفطر للمسافر - إنما هو فيمن يرجو إقامة يقضي فيها ، وهذا هو ما جرى عليه السبكي ، واستظهره في النهاية . والذي استوجهه في التحفة : خلافه ، وهو أنه يباح له الفطر - مطلقا - وعبارتها : قال السبكي بحثا : ولا يباح الفطر ، لمن لا يرجو زمنا يقضي فيه لإدامته السفر أبدا ، وفيه نظر ظاهر ، فالأوجه خلافه . اه . ( قوله : دون قصير ) أي دون سفر قصير - وهو ما دون مرحلتين - فإنه لا يباح الفطر فيه . ( وقوله : وسفر معصية ) أي ودون سفر معصية ، أي سفر أنشأه لأجل معصية - كقطع طريق - فإنه لا يباح له الفطر فيه ، وهذا كالذي قبله : علم من إضافة سفر إلى قصر ، إذ السفر الذي يجوز فيه الفطر لا بد أن يكون طويلا ، وأن يكون مباحا - كما علمت . ( قوله : وصوم المسافر بلا ضرر أحب من الفطر ) أي لما فيه من براءة الذمة وعدم إخلاء الوقت عن العبادة ، ولأنه الأكثر من فعله ( ص ) . ومحله إن لم يخش ضررا في الحال أو الاستقبال من الصوم ، وإلا فالفطر أفضل ، لما في الصحيحين أنه ( ص ) رأى رجلا صائما في السفر قد ظلل عليه فقال : ليس من البر أن تصوموا في السفر . بل ربما يجب الفطر إن خشي منه فيه ضررا يبيح التيمم - على ما تقدم . ( واعلم ) أنه إذا قدم المسافر أو شفي المريض وهما صائمان : حرم عليهما الفطر ، لزوال السبب المجوز له . فإن كانا مفطرين - ولو بترك النية - استحب لهما الامساك ، لحرمة الوقت . ( قوله : ولخوف إلخ ) عطف على بمرض ، أي ويباح الفطر لخوف هلاك بالصوم - أي على نفسه ، أو عضوه ، أو منفعته - لقوله تعالى : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * وقوله : * ( ولا تقتلوا أنفسكم ) * وقوله : * ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) * وقد علمت أنه في هذه يجب الفطر ، وليس بمباح فقط ، فلو تركه واستمر صائما حتى مات : - كما يقع من المتعمقين في الدين - مات عاصيا . ( قوله : بالصوم ) متعلق بمحذوف صفة لهلاك ، والباء سببية ، أو بمعنى من التعليلية . ( وقوله : من عطش أو جوع ) بدل اشتمال من الجار والمجرور ، أي يباح لخوف هلاك حاصل له بسبب الصوم ، أو من أجل الصوم من أجل الجوع أو العطش . ( قوله : وإن كان صحيحا مقيما ) غاية في إباحة الفطر لخوف
--> ( 1 ) البقرة : 184 . ( 2 ) الحج : 78 . ( 3 ) النساء 29 . ( 4 ) البقرة : 195